وجب عليهم متى بلغهم، ومن المعلوم عندنا بالضرورة بحيث لا يتنازع فيه أحد من
المتناظرين أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الناس كافة من كان منهم
في زمنه من العرب وغيرهم ومن يأتي بعدهم إلى قيام الساعة، فوجب أن يكون
كل ما جاء به من أمر الدين موجهًا إلى جميع من أرسل إليهم في كل زمان ومكان
إلا إذا دل الدليل على التخصيص، فهذا أصل بديهي لا نطيل في بيانه ولا في
تحرير برهانه.
نضم إلى هذا الأصل أصلاً آخر أظن أن الدكتور لا يمتري فيه وهو أنه لا
يعقل أن يفهم جميع من تلقوا الدين عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة أن
عمل كذا من الدين وأنه عام لجميع المكلفين ويكون ذلك العمل في نفسه خاصًّا بهم
وحدهم أو مع من يشاركهم في وصف خاص كاللغة والوطن؛ لأن هذا لا يتصور
وقوعه إلا إذا جاز أن يقصر الرسول في التبليغ والبيان الذي بعث لأجله وهذا مما
لا يجيزه مسلم.
فإذا جعلنا هذين الأصلين مقدمتين أنتجتا لنا أن كل ما علم من الدين
بالضرورة وأجمع عليه أهل الصدر الأول فهو من الإسلام لا يعتد بإسلام من تركه
ومنه القرآن برمته وهذه الصلوات الخمس وأن ماعدا ذلك محل اجتهاد، فمن بلغه
عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء غير مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة
وثبت عنده وجب عليه أن يعتده من الدين، ومن وثق بمجتهد وعلم منه أنه ثبت
عنده شيء عن الرسول وجب عليه أن يعتده من الدين، فإن كان ثبوته على أنه
حتم عمل به حتمًا وإن كان مخيرًا فيه تخير، فإذا سلم الدكتور صدقي بهذه النتيجة
سلم من الشذوذ في أصل الإسلام وانحصرت إشكالاته فيما روي عن النبي صلى الله
عليه وسلم غير القرآن وما تلقاه عنه المسلمون من العمل الذي لم يصل إلى درجة
المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وكل ما يصل إليه الاجتهاد بعد ذلك فهو
مما يتسع له صدر الإسلام، ولنا فيه تفصيل نرجئه إلى وقت آخر، هذا مجمل ما
يقال في أصل المسألة.
أما فروعها فأظهرها مسألة الصلاة، وهذه الكيفية المعروفة عند جميع
المسلمين - ويدخل فيها عدد الركعات كعدد الصلوات وهي خمس - مجمع عليها
معروفة من الدين بالضرورة. لا ريب في أن جميع الصحابة فهموا عن النبي صلى