ثم إن القرآن الكريم يؤكد أن الحفظ، ونفى الشك والريبة إنما هو لكل القرآن ولجميع التنزيل، وليس لبعض القرآن: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (17) (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) (18) (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) (19) (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه) (20) (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس) (21) (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) (22) . (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (23) .. ولو ضاع شيء من هذا الكتاب أي القرآن والتنزيل لحدث التفريط الذي تنفيه هذه الآية، ولانتفت حجة الله على البشر (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) (24) .. فحجة الله على الناس - بعد ختم الوحي القرآن الكريم - تنتفى وتسقط إذا حدث جهل بشيء مما أنزل في الكتاب - القرآن -: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) (25) ولو أن القرآن ضاع منه شيء لتخلف وعد الله بتنزيل تبيان كل شيء فيه، لتتم شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (26) .
وختم النبوة والرسالة، يعني انتفاء بعث رسول جديد، ونزول كتاب جديد .. وحتى تقوم حُجة الله على عباده لابد من بقاء القرآن كله محفوظًا، ليكون قيّما على الناس، أي دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا) (27) .
وإذا كان الكتاب هو كل القرآن، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله، وجمعه وقرأه: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) (28) .