{مَا نُنَزّلُ الملائكة} بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل ، وقرئ من الإنزال ، وقرئ تُنَزّل مضارعاً من التنزيل على صيغة البناء للمفعول ، ومن التنزّل بحذف إحدى التاءين ، وماضياً منه ومن التنزيل ومن الثلاثي ، وهو كلامٌ مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواباً لهم عن مقالتهم المَحْكية ورداً لاقتراحهم الباطلِ ، ولشدة استدعاءِ ذلك للجواب قُدّم ردُّه على ما هو جوابٌ عن أولها أعني قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر} الآية ، كما فُعل في قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله} فإنه مع كونه جواباً عن قولهم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} قُدّم على قوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى} الآية ، مع كونه جواباً عن أول كلامِهم الذي هو قولُهم: {قَالُواْ يا نوح قَدْ جَادَلْتَنَا} لِما ذُكر من شدة اقتضائِه للجواب وليكونَ أحدُ الجوابين متصلاً بالسؤال ، وفي العكس يلزَم انفصالُ كلَ من الجوابين عن سؤاله ، والعدولُ عن تطبيقه لظاهر كلامِهم بصدد الاقتراحِ وهو أن يقال: ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في التعبير حسبما أخطأوا في الاقتراح ، وأن الملائكةَ لعلوّ رتبتهم أعلى من أن يُنسَبَ إليهم مطلقُ الإتيان الشاملِ للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها ، بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصِدُ حركاتهم أولئك الكفرةَ وأن يدخلوا تحت ملكوتِ أحدٍ من البشر ، وإنما الذي يليق بشأنهم النزولُ من مقامهم العالي وكونُ ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل {إِلاَّ بالحق} أي ملتبساً بالوجه الذي يحِق ملابسةُ التنزيل به مما تقتضيه الحكمةُ وتجري به السنةُ الإلهية كقوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق} والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هُمْ ومنزلتُهم في الحقارة والهوانِ منزلتُهم ، مما لا يكاد يدخل تحت الصِّحة