{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) } :
قوله عز وجل: {مِنَ الْمَثَانِي} جمع مثناة.
وقوله: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) } : اختلف في المقتسمين:
فقال ابن عباس - رضي الله عنهما: هم اليهود والنصارى، اقتسموا القرآن فآمنوا ببعضه، وهو ما وافق كتابهم، وكفروا ببعض، وهو ما خالفه.
وقال: مجاهد: هو إيمانهم ببعض كتبهم وكفرهم ببعض.
وقال أبو الحسن: هم قومٌ تواطؤوا وتقاسموا لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعاندونه ويعاندون أصحابه.
وقال مقاتل والفراء وغيرهما: هم الذين اقتسموا طرق مكة فيصدون الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الإيمان به.
وقال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا على تبييته وتبييت أهله.
فإذا فهم هذا فقوله جل ذكره: {كَمَا أَنْزَلْنَا} محل الكاف النصب، إما على النعت لمصدر محذوف، أي: أنزلنا عليك إنزالًا مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب الذين جعلوا القرآن عِضَيْن، حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموا إلى حق وباطل، وعَضُّوه.
ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرؤونه من كتبهم على تأويل مجاهد، حيث آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعضها. أو إنذارًا مثل ما أنزلنا. أو لمفعول محذوف، أي: أنذركم عذابًا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعني اليهود وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز، لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان، فيكون على هذين التقديرين من صلة قوله: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} ، وعلى الوجه الأول من صلة {آتَيْنَاكَ} ، وإنما قُدِّر بأنزلنا عليك، لأن الإيتاء إنزال في المعنى.