قوله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} محل (نحن) النصب على التأكيد لاسم (إن) أو الرفع على الابتداء، ولا يجوز أن يكون هنا فصلًا كما زعم بعضهم لأن من شرط الفصل أن يكون بين اسمين، أو بين اسم وفعل مضارع، وأما بين اسم وفعل ماض فلا أعرف في ذلك خلافًا بين النحاة، وقالوا: إنما جوزنا مع المضارع دون الماضي، لأن المضارع مشابه للاسم، والألف واللام من صفات الاسم وخصائصه، فجاز تقديرها مع المضارع لما
بينه وبين الاسم من الامتزاج، ولم نجوز مع الماضي؛ لأن الماضي لم ينل هذه المشابهة، فلم يجز تقديرها معه.
ومعنى قولهم هذا وتحقيقه: أن الفعل المضارع لما كان ممتزجًا بالاسم على ما ثبت حتى استحق بذلك الإعراب، جاز أن يقال: إنه في تقدير اسم دخله الألف واللام، ولم يجز ذلك في الماضي، لأنه إذا لم يكن مشابهًا للاسم كان تقدير ما هو من صفات الاسم وخصائصه فيه وضعًا للشيء في غير موضعه، فاعرفه، فإنه من الأصول.
وقوله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الضمير في (له) لِلذِّكْرِ. وقيل: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ} .
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) } :
قوله عز وجل: {فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} أي: في فرقهم، والشيع: جمع شيعة، وهي الفرقة الأتباعُ، يقال: شاعه، إذا تبعه.
وقوله: {وَمَا يَأْتِيهِمْ} حكاية حال ماضية، لأن (ما) لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال.
وقوله: {إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} جملة واقعة صفة لـ {رَسُولٍ} ، اما على اللفظ أو على الموضع، أو حالًا من الهاء والميم في {يَأْتِيَهُمُ} ، وهي حال مقدرة.