قوله: (لأنها تثنى في كل ركعة) أي تعاد في كل ركعة، وهذا أحد الوجوه في سبب تسميتها بالمثاني، وقيل سميت بذلك، لأنها مقسومة بين العبد وبين الله نصفين، فنصفها الأول ثناء على الله، ونصفها الثاني دعاء، وقيل لأن كلماتها مثناة مثل قوله: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] إلى آخرها، وقيل لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، معها سبعون ألف ملك.
{لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}
قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي لا ترغب فيما متعنا به أصنافاً من الكفار، فإنه مستحقر، وفي الحديث عن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من أوتي القرآن، فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيماً، وعظم صغيراً"قوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي لأجلهم.
قوله: (ألن جانبك) أي تواضع لهم وارحمهم، كالطائر الذي يخفض جناحه على أفراخه، رحمة بها وشفقة عليها، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ما أمر به، قال البوصيري في هذا المعنى:
أحل أمته في حرز ملته...كالليث حل مع الأشبال في أجم
{كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ}
قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا} الكاف حرف تشبيه وجر، وما اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: وقل: إني أنا النذير لكم بالعذاب، كالعذاب الذي أنزلناه على المقتسمين والماضي بمعنى المستقبل، إذ الذي نزل بأهل مكة لم يكن واقعاً حين نزول الآية، بل وقع بعد الهجرة، وكذا ما وقع للمقتسمين طرق مكة لم يكن واقعاً حينئذ، بل وقع يوم بدر،
«إن قلت» : إن العذاب المنذر، ينبغي تشبيهه بشيء قد وقع ليحصل به الاتعاظ.
أجيب: بأنه سهل ذلك تحتم نزوله، فكأنه واقع ولا بد، وقد تحقق ذلك يوم بدر.
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}
قوله: (سؤال توبيخ) جواب عما يقال: إنه أثبت سؤالهم هنا، ونفاه في سورة الرحمن حيث قال
{فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 39]
فحاصل الجواب: أن المنفي هناك سؤال الإكرام والاحترام، والمثبت هنا سؤال التوبيخ والتقريع.
قوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}