والضرب الآخر: أن تدخل كافّة نحو الآية، ونحو قول الشاعر:
ربّما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات
والنحويّون يسمّون ما هذه الكافّة، يريدون أنّها بدخولها كفّت الحرف عن العمل الذي كان له، وهيّأته لدخوله على ما لم يكن يدخل عليه. ألا ترى أنّ رب إنما تدخل على الاسم المفرد، ربّ رجل يقول ذاك، وربّه رجلا يقول ذاك، ولا تدخل على الفعل، فلمّا دخلت ما عليها هيّأتها للدّخول على الفعل، فمن ذلك قوله: ربما يود الذين كفروا [الحجر/ 2] ، فوقع الفعل بعدها في الآية، وهو على لفظ المضارع، ووقع في قوله:
ربّما أوفيت في علم على لفظ المضيّ، وهكذا ينبغي في القياس، لأنّها تدلّ
على ما قد مضى وإنّما وقع في الآية على لفظ المضارع لأنّه حكاية لحال آتية، كما أن قوله: وإن ربك ليحكم بينهم [النحل/ 124] حكاية لحال آتية أيضا.
ومن حكاية الحال قول القائل:
جارية في رمضان الماضي... تقطّع الحديث بالإيماض
ومن زعم أن الآية على إضمار كان، وتقدير: ربّما كان يودّ الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه، ألا ترى أنّ كان لا تضمر عنده، ولم يجز: عبد الله المقتول، وأنت تريد:
كن عبد الله المقتول.
فأمّا إضمارها بعد إن في قوله: إن خيرا فخير، فإنّما جاز ذلك لاقتضاء الحرف له، فصار اقتضاء الحرف له كذكره.
فأمّا ما أنشده ابن حبيب لنبهان بن مشرق:
لقد رزئت كعب بن عوف وربّما... فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها
فإن قوله: فتى، في «ربّما فتى» يحتمل ضروبا، أحدها:
أن يكون لمّا جرى ذكر رزئت، استغنى بجري ذكره عن أن يعيده،