ثم قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا محمد وسلم: {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} : أي: اجعلني وإياهم جانباً عن عبادتها.
وقيل: معناه أنقذني ، وإياهم من عبادة الأصنام . والصنم: التمثال المصور ، فإن لم يكن مصوراً فهو وثن.
قال مجاهد: أجاب الله ، جل ذكره ، دعوة إبراهيم في ولده ، فلم يعبد أحد منهم صنماً.
ثم قال تعالى ، ذكره: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس} : أي: إن الأصنام أضللن كثيراً من الناس عن طريق الهدى والحق ، حتى عبدوهن فكفروا بك . وأضاف الفعل إلى الأصنام على ما تعرف العرب من مخاطبتها . يقول العرب: أفتنتني الدار ، والمعنى: استحسنتها .
فالمعنى: إنه افتتن (كثير) من الناس بهن ، أي: استحسنهن كثير من الناس ، أي: استحسن عبادتهن كثير منهم.
{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} ، أي: من تبع ما أنا عليه من الإيمان بالله ، (عز وجل) ، وإخلاص العبادة (له فهو من) : أي: من أهل ديني.
{وَمَنْ عَصَانِي} فخالف أمري {فَإِنَّكَ غَفُورٌ} لذنوب المذنبين . أي: ستار لها إذا تابوا منها بالإيمان . وهذا قريب من قول عيسى صلى الله عليه وسلم: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] - الآية -: أي: إن تغفر لهم ذنوبهم بعد توبتهم وإيمانهم . (وفي) ذلك أقوال غير هذا ، قد ذكرتها في المائدة.
وغير جائز أن يتأول أحد أن المغفرة ترجى لمن مات على كفره ، لقوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48 ، 116] ،
ولقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً} [آل عمران: 91] - الآية - وهو كثير في القرآن ، فلا يَيْأَس من مغفرة الله لعبدٍ مع الإيمان ، ولا ترجى مغفرة لعبدٍ من الكفر.