وقد كرر نداء ربه ضراعة، فقال: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) ، وقوله تعالى: (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) متعلق بـ أَسْكَنْتُ، اللام للتعليل، أي أن أسكنتهم لأجل إقامة الصلاة فيه وأن يعمروه بصلاتهم، لَا ليستمر خرابا من العبادة، خاويا من الناس، فلا تنتهي إلى الغاية التي أمرت بإنشائه من أجله، وفي هذا إشارة إلى أن المشركين من ذرية إبراهيم قد انحرفوا به عن غايته عندما أحاطوه بالأوثان التي هدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة على صاحبها أفضل السلام وأتم التسليم.
الأمر الثالث: بعد أن ذكر إبراهيم حالهم وحال أرضهم ذكر دعاء طالبا من ربه (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (الفاء) تدل على أن الباعث لهذا الدعاء ما قبلها، وهو (أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْعٍِ) .
في قوله تعالى: (أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) مؤداها أن يفد بعض من الناس إلى هذه الأرض التي لَا زرع فيها مسرعين تميل قلوبهم وتهوى نفوسهم محبين الرحلة إليها مع رمالها، وجبالها وأنها لَا خير فيها، وقوله تعالى: (مِّن النَّاسِ) معناها بعض الناس، وروى ابن عباس أنه قال: لو قال تعالى: أفئدة الناس لازدحم بالفرس والترك من غير المسلمين، وقوله تعالى: (تَهْوِي) من هوت الناقة إذا أسرعت في سيرها إسراعا شديدا كأنها تسابق الريح، وقوله تعالى: (أَفْئِدَةً) خرجها بعض العلماء على أن أصلها (أوفدة) جمع وفدة، حصل فيه قلب مكاني فحلت الفاء محل الواو، وحلت الواو محلها فقلبت همزة، وإنه لَا داعي لهذا التخريج النحوي ولا دليل عليه، وإن الأولى أن تكون كلمة أفئدة على معناها الأصلي وهي أنها جمع فؤاد بمعنى القلب، والدعاء يكون منصبا على أن تميل القلوب إلى المكان مع جفاف مائه وصعوبة أرضه وارتفاع جباله الصماء التي لَا تُكسى بخضرة قط، والمعنى على ذلك يكون مستقيما وقويا ككل معاني الذكر الحكيم.