فالخبر المحذوف بعد {لَوْلاَ} يُقَدّرُ بما يدلّ على معنى الكرامة بقرينة قولهم: {وما أنت علينا بعزيز} وقوله: {أرهطي أعزّ عليكم من الله} [هود: 92] ، فلمّا نفوا أن يكون عزيزاً وإنما عزة الرجل بحماته تعين أن وجود رهطه المانع من رجمه وجود خاص وهو وجود التكريم والتوقير، فالتقدير: ولولا رهطك مكرمون عندنا لرجمناك.
والرجم: القتل بالحجارة رَمْياً، وهو قِتلة حقارة وخزي.
وفيه دلالة على أن حكم من يخلع دينه الرجم في عوائدهم.
وجملة {وما أنت علينا بعزيز} مؤكدة لمضمون {ولولا رهطك لرجمناك} لأنّه إذا انتفى كونه قويّاً في نفوسهم تعيّن أن كفّهم عن رجمه مع استحقاقه إيّاه في اعتقادهم ما كان إلاّ لأجل إكرامهم رهطَه لا للخوف منهم.
وإنّما عطفت هذه الجملة على التي قبلها مع أنّ حق الجملة المؤكدة أن تفصل ولا تعطف لأنّها مع إفادتها تأكيد مضمون الّتي قبلها قد أفادت أيضاً حكماً يخصّ المخاطب فكانت بهذا الاعتبار جديرة بأن تعطف على الجمل المفيدة أحواله مثل جملة {ما نَفْقَهُ كثيراً ممّا تقول} والجمل بعدها.
والعزة: القوم والشدّة والغلبة.
والعزيز: وصف منه، وتعديته بحرف (على) لما فيه من معنى الشّدة والوقْع على النفس كقوله تعالى: {عزيزٌ عليه ما عنتم} [التوبة: 128] ، أي شديد على نفسه، فمعنى {وما أنت علينا بعزيز} أنك لا يعجزنا قتلك ولا يشتدّ على نفوسنا، أي لأنّك هَيّنُ علينا ومحقّر عندنا وليس لك من ينصرك منّا.
وعزة المرء على قبيلة لا تكون غلبةَ ذاته إذْ لاَ يغلب واحد جماعة، وإنما عزّته بقومه وقبيلته، كما قال الأعشى:
وإنّما العِزّة للكاثِر
فمعنى {وما أنت علينا بعزيز} أنك لا تستطيع غلبتنا.
وقصدهم من هذا الكلام تحذيره من الاستمرار على مخالفة رهطه بأنّهم يوشك أن يخلعوه ويبيحوا لهم رجمه.
وهذه معان جدّ دقيقة وإيجاز جدّ بديع.
وليس تقديم المسند إليه على المسند في قوله: {وما أنت علينا بعزيز} بمفيد تخصيصاً ولا تقوياً. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 11 صـ}