أي: أنني أطبق ما أدعوكم إليه على نفسي ؛ فلا أنقص كيلاً أو أخْسِر ميزاناً ، ولا أبخس أحداً أشياءه ؛ لأني لا أعبد غير الله .
وكلمة"أخالف"تدل على اتجاهين متضادين ، فإن كان قولك بهدف صرف إنسان عن فعل لكي تفعله أنت ؛ تكون قد خالفته"إلى"كذا ، وإن كنت تريده أن يفعل فعلاً كيلا تفعله أنت ؛ تكون قد خالفته"عن"كذا .
فشعيب عليه السلام يوضح لهم أنه لا ينهاهم عن أفعال ؛ ليفعلها هو ؛ بل ينهاهم عن الذي لا يفعله ؛ لأن الحق سبحانه قد أمره بألا يفعل تلك الأفعال ، فالحق سبحانه هو الذي أوحى له بالمنهج ، وهو الذي أنزل عليه الرسالة .
وشعيب عليه السلام لا ينهاهم عن أفعال يفعلها هو ؛ لأنه لا يستأثر لنفسه بما يرونه خيراً ؛ فليس في نقص الكيل والميزان ؛ أو الشرك بالله أدنى خير ، فكل تلك الأفعال هي الشر نفسه .
ويوضح لهم شعيب عليه السلام مهمة النبوة ؛ فيقول:
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت} [هود: 88] .
فالنبوات كلها لا يرسلها الله تعالى إلا حين يطم الفساد ، ويأتي النبي المُرسَل بمنهج يدل الناس إلى ما يصلح أحوالهم ؛ من خلال"افعل"و"لا تفعل"ويكون النبي المُرسَل هو الأسوة لتطبيق المنهج ؛ فلا يأمر أمراً هو عنه بنَجْوةٍ ؛ ويطبق على نفسه أولاً كل ما يدعو إليه .
ولذلك قال شعيب عليه السلام:
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت} [هود: 88] .
لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وما يدخل في طوعها .
ويقول شعيب عليه السلام بعد ذلك:
{وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] .
وهكذا نعلم أن هناك فرقاً بين العمل ؛ وبين التوفيق في العمل ؛ لأن جوارحك قد تنشغل بالعمل ؛ ولكن النية قد تكون غير خالصة ؛ عندئذ لا يأتي التوفيق من الله .