وهذا منطق السخرية منه ؛ لأنه لم يوافقهم على عبادة غير الله ؛ ولم يوافقهم على إنقاص الكيل والميزان ؛ ونهاهم عن بَخْس الناس أشياءهم .
وإذا قيل حُكْمٌ وهو حقٌّ ؛ ويقوله من لا يؤمن به ؛ فهو يقصد به الهُزْء والسخرية .
وهو لون من التهكم جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة ؛ فنجد الحق سبحانه يقول لمن تجبر وطغى في الدنيا ؛ ويلقى عذاب السعير في الآخرة:
{ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم} [الدخان: 49] .
وكذلك يقول الحق سبحانه:
{وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه} [الكهف: 29] .
وفي كُلٍّ من القولين تهكم وسخرية ، وكذلك قولهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
{أصلاوتك تَأْمُرُكَ} [هود: 87] .
وهذا قول يحمل التهكم بصلاته .
وكذلك قولهم:
{إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} [هود: 87] .
يعني التساؤل: كيف يصح لك وأنت العاقل الحليم أن تتورط وتقول لنا:
{اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ} [هود: 84] .
وقد قالوا ذلك لأنهم قد ألفوا عبادة الأصنام ، وكذلك تهكموا على دعوته لهم بعدم إنقاص الكيل والميزان .
وأيضاً لم يقبلوا منه قوله بأن يحسنوا التصرف في المال ، والعلة التي برروا بها كل هذا السَّفَه أن شعيباً حليم رشيد ؛ فيكف يدعوهم إلى ما يخالف أهواءهم؟
ويأتي الحق سبحانه بما قاله شعيب عليه السلام فيقول جَلَّ شأنه: {قَالَ يا قوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}
وهنا يعلن لهم شعيب عليه السلام أنه على يقين من أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه حجة ومنهجاً ، وقد رزقه الرزق الحسن الذي لا يحتاج معه إلى أحد ؛ فأمور حياته ميسورة .
وقد يكون المقصود بالرزق الحسن رحمة النبوة .
ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان شعيب عليه السلام:
{وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] .