فإن أردت بالصلاة الدين ؛ وهي رمز الدين ؛ فللصلاة أمر هو نفس أمر الدين ، وهي الأمر بالإيمان الحق ، لأن الإيمان المقلد لا نفع له .
إذن: فقد أراد أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم ؛ وتساءلوا:
{أصلاوتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} [هود: 87] .
وهذا القول يحمل أيضاً ردهم على دعوته لهم ألاّ يعبدوا غير الله ؛ فلا إله غيره ؛ وردوا كذلك على دعوته لهم ألاّ ينقصوا الكيل والميزان ؛ وألاّ يبخسوا الناس أشياءهم ؛ وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند الله هو الخير لهم ، وألا يعثوا في الأرض مفسدين .
وقالوا: أتنهانا أيضاً عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء؟ وكأنهم قد عميت بصيرتهم ؛ لأنهم إن أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون ؛ فغيرهم سيبيحون لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون ؛ وستصطدم المصالح ، ويخسر الجميع .
وقولهم: {إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} [هود: 87] .
استمرار في التهكم الذي بدءوه بقولهم:
{أصلاوتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} [هود: 87] .
مثلهم في ذلك مثل منافقي المدينة الذين قالوا للأنصار:
{لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ} [المنافقون: 7] .
وكانوا يريدون أن يضربوا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ؛ وقد قالوا: {رَسُولِ الله} تهكماً ؛ وهم يحرضون أثرياء المدينة على تجويع المهاجرين .
ومثلهم أيضاً مثل قوم لوط حين نهاهم عن فعل تلك الفحشاء ؛ فقالوا تهكماً منه وممن آمن معه:
{أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82] .
فهل تطهرهم علة للإخراج من القرية ، ولكنهم قالوا هذا لأنهم لا يريدون أن يكون بينهم من يعكر ما هم فيه .
وهذا مثلما نسمع في حياتنا من يقول:"لا تستعن بفلان لأنه حنبلي".
هم إذن قد قالوا:
{إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} [هود: 87] .