اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن كلماتهم فالأول قوله: {قَالَ يا قوم أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رزقاً حسناً} وفيه وجوه: الأول: أن قوله: {إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى} إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية والدين والنبوة وقوله: {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال ، فإنه يروى أن شعيباً عليه السلام كان كثير المال.
واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف والتقدير: أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه ، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم وذلك لأنهم قالوا له: {إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد} فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل ، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة ، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره وتكليفه.
الثاني: أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن الاشتغال بعبادة غير الله والاشتغال بالبخس والتطفيف عمل منكر ، ثم أنا رجل أريد إصلاح أحوالكم ولا أحتاج إلى أموالكم لأجل أن الله تعالى آتاني رزقاً حسناً فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في وحي الله تعالى وفي حكمه.
الثالث: قوله: {إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى} أي ما حصل عنده من المعجزة وقوله: {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} المراد أنه لا يسألهم أجراً ولا جعلاً وهو الذي ذكره سائر الأنبياء من قولهم: {لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبّ العالمين} .
المسألة الثانية: