إذن: فقد أخذت قريش السيادة من البيت الحرام ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلن الدعوة على أسماع السادة ، وسَفَّه أحلامهم ، ولم يُبَالِ بجبروتهم وسيادتهم على الجزيرة .
لكن الحق سبحانه قد شاء ألا يكون انتصار الإسلام على يد السادة من قريش في مكة ، بل جاء انطلاق الإسلام من المدينة ؛ لأن الله سبحانه أراد أن يُعلِّم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد .
ولكن الله تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة ؛ فكأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق الممثَّل في رسالة محمد ، ولم تخلق العصبية لمحمد إيماناً به وبرسالته .
وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين ، وبيَّن لهم أن المكان الذي قُلِبَ عاليه أسفله ، ليس ببعيد عنهم ، فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة؟
والظلم كما نعلم هو مجاوزة الحق للغير ، أي: أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير ذي حق ، فإذا كان ظلماً في الألوهية ، فهذا هو الشرك العظيم ، وإن كان ظلماً في إعطاء حق من حقوق الدنيا للغير ، فهو ظلم للإنسانية ، والظلم درجات بحسب الجريمة .
وقد ظلمت قريش نفسها ظلماً عظيماً ؛ لأنها أشركت بالله ؛ وجعلت له شركاء في الألوهية ؛ وهذا أقصى أنواع الظلم .
والله سبحانه يريد أن يذكِّر هؤلاء الظالمين بأن عذاب الله حين يجيء ، أو أمر الله حين يأتي ؛ لا يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه ، فتنبهوا جيداً إلى أنكم عُرْضة أن يُنزل الله تعالى بكم العذاب كما أنزل بهذه القرى ؛ وهي غير بعيدة عنكم ، فالمسافة بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إلا أن الله تعالى قد جعلهم يمرون عليها في كل رحلة من رحلات الصيف إلى الشام .
إذن: فهي قرى تقع على طريق مسلوكة ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه عن موقعها:
{وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} [الحجر: 76] .