يقول سبحانه:
{فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
فإذا آمن فعليه الالتزام بالإيمان ، فلا يكسر حكماً من أحكام الإيمان ، وهذا تصعيب للدخول في الإسلام ، فمن أين يأتي ادعاء فرض الدين على المخالفين؟!
إذن: فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إيمانين: الإيمان الأول هو أن يؤمن بالإسلام ، والإيمان الثاني أن يبلغ الدعوة .
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل".
فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط ؛ لا ، بل يقصد كل من يعرف قضية من قضايا الإيمان معرفة سليمة وصحيحة وينساح بالدعوة في الأرض ليعلِّم غير المؤمنين ويترك الناس أحراراً في اختيار الدين .
وكذلك يقف المؤمنون برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأية قوة تحارب حرية اختيار الدين .
وهكذا جاءت قصص القرآن لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم .
ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو في مكة ، فصرخ بالدعوة ، لا في آذان القبائل الواهية في أطراف الجزيرة ، ولكن في آذان سادة الجزيرة ، حتى لا يقال: إنه استضعف قوماً فناداهم إلى الإيمان به ، ولم يجرؤ على السادة ، وهم قريش ، التي أخذت السيادة بحكم إقامتها في مكان البيت العتيق ، وكان كل العرب يحجون إلى البيت الحرام ، فإذا ما تعرضت قبيلة لقريش بسوء ، فقريش قادرة على أن تنال من أبناء تلك القبيلة حين يحجون إلى البيت الحرام .
وهكذا أخذت قريش هيبتها من وجودها حول البيت .
إذن: فالبيت هو الذي صنع السيادة لقريش ، وهو الذي صنع السيادة للآلهة المدَّعاة من الأصنام حين يأتي كل قوم بإلههم من الحجر ؛ ليضعوه في البيت ؛ ليكتسب الحجر قداسة من قداسة البيت .