وذهب بعضهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له: {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا} وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتخرحموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك ، وكان عليه السلام نازلاً في طرف من الأرض منفرداً عن قومه ، وهي رواية عن ابن عباس أخرجه إسحاق بن بشر.
وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه ، وقيل: كان سبب خوفه أنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت.
وقال العلامة الطيبي: الحق أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة ولأنه لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام ولم يحرضهم على الأول وإنما عدلوا إلى قولهم: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ} ليكون جامعاً للمعاني بحيث يفهم منه المقصود أيضاً انتهى.
وفيه إشارة إلى الردّ على الزمخشري ، وقد اختلف كلامه في تعليل الخوف فعلله تارة بعرفانه أنهم ملائكة وأخرى بأنهم لم يتحرموا طعامه ، ولعله أراد بذلك العرفان العرفان بعد إحضار الطعام ، وما ذكره الطيبي من أنه لو عرفتهم بأنهم ملائكة لم يحضر الخ غير قادح إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار أولاً لعدم التحرم ثم بعد تفرس أنهم ملائكة خافهم لأنهم ملائكة أرسلوا للعذاب ، والزمخشري حكى أحد الخوفين في موضع والآخر في آخر.