القولة الواحدة التي جاء بها كل رسول وكانوا قد انحرفوا كما أسلفنا عن عبادة الله الواحد التي هبط بها المؤمنون مع نوح من السفينة. ولعل أول خطوة في هذا الإنحراف كانت هي تعظيم ذكرى الفئة المؤمنة القليلة التي حملت في السفينة مع نوح! ثم تطور هذا التعظيم جيلاً بعد جيل فإذا أرواحهم المقدسة تتمثل في أشجار وأحجار نافعة ؛ ثم تتطور هذه الأشياء فإذا هي معبودات ، وإذا وراءها كهنة وسدنة يعبّدون الناس للعباد منهم باسم هذه المعبودات المدعاة في صورة من صور الجاهلية الكثيرة. ذلك أن الإنحراف خطوة واحدة عن نهج التوحيد المطلق. الذي لا يتجه بشعور التقديس لغير الله وحده ولا يدين بالعبودية إلا لله وحده.. الإنحراف خطوة واحدة لا بد أن تتبعه مع الزمان خطوات وانحرافات لا يعلم مداها إلا الله.
على أية حال لقد كان قوم هود مشركين لا يدينون لله وحده بالعبودية ، فإذا هو يدعوهم تلك الدعوة التي جاء بها كل رسول:
{يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} .. {إن أنتم إلا مفترون} ..
مفترون فيما تعبدونه من دون الله ، وفيما تدعونه من شركاء لله.
ويبادر هود ليوضح لقومه أنها دعوة خالصة ونصيحة ممحضة ، فليس له من ورائها هدف. وما يطلب على النصح والهداية أجراً. إنما أجره على الله الذي خلقه فهو به كفيل:
{يا قوم لا أسألكم عليه أجراً. إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون؟} .
مما يشعر أن قوله: {لا أسألكم عليه أجراً} كان بناء على اتهام له أو تلميح بأنه يبتغي أجراً أو كسب مال من وراء الدعوة التي يدعوها.
وكان التعقيب: {أفلا تعقلون؟} للتعجيب من أمرهم وهم يتصورون أن رسولاً من عند الله يطلب رزقاً من البشر ، والله الذي أرسله هو الرزاق الذي يقوِّت هؤلاء الفقراء!