أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالمًا كافرا حيث استثني من أهله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) : يذكر هذا - واللَّه أعلم - تذكيرًا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحًا مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين اللَّه ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن المواعظ إنما تنفع، الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحًا - عليه السلام - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا.
وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41)
يحتمل قوله: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا) أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) ، وهو كقول الناس باسم اللَّه من أوله على ما يقال، ويذكر اسم اللَّه في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره.