واستعمل القرآن الكريم الأجر (105 مرات) ، والمال (61 مرة) ، كما في قوله تعالى على لسان نوح: {ويا قوم لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} . وقوله تعالى على لسانه: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى
اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ثمة ملحظ بياني دقيق الأثر في الآية الأولى، وهو استعمال (مال) مع القوم، و (أجر) مع الله سبحانه، وثمة ملحظ أدق هو التحول السياقي من (مال) في الآية الأولى إلى (أجر) في الآية الثانية، والوقوف على دلالة هذا التحول يضعنا قريبا من سر الاختصاص الدلالي لهذين اللفظين والإيحاءات المنبعثة منهما. أمَّا الأول، فانه عدل عن (مال) إلى (أجر) إشارة إلى محدودية الأول، وإيحائه بمصاحبة المنة والكدر، وضيق النفوس، فان اشد ما يزعج الذات تخليها عن المال. على حين استعمل (اجر) مع الله تعالى إشارة إلى السعة والشمول الذي عليه العطاء الإلهي، فضلا عن وحي اللفظ بالضمان والوعد، وسينجز الله وعده. وأكبر من هذا وحيه بالمد العقيدي، والإحساس بلقاء الله تعالى. وأمَّا الثاني فإنه تحول من (مال) إلى (اجر) في الآية الثانية لينبه على ارتباط المال بالدنس، و (الرجس) وعدم الطهارة، فكأنه ترفع عن ذكر المال لهذا الارتباط، ولترفعه عن الحياة الدنيا و علائقها، ويتأكد هذا بالقول أن (اجر) استعملت في سياق الآخرة (85 مرة) ، بينما كانت في سياق الدنيا (20 مرة) ، ويضاف إليه ما ذكر في الفرق بين استعمال (مال) و (اجر) في الآية الأولى.