.وهو سبحانه مسيطر على الكون كله.. {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} .. والسياق يظهر كأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام مع سيطرة الله سبحانه على مقاليده كان من أجل ابتلاء الإنسان. ليعظم هذا الإبتلاء ويشعر الناس بأهميتهم وبجدية ابتلائهم.
وكما جهز الخالق هذه الأرض وهذه السماوات بما يصلح لحياة هذا الجنس ، جهز هذا الجنس كذلك باستعدادات وطاقات ؛ وبنى فطرته على ذات القانون الذي يحكم الكون ؛ وترك له جانباً إختيارياً في حياته ، يملك معه أن يتجه إلى الهدى فيعينه الله عليه ويهديه ، أو أن يتجه إلى الضلال فيمد الله له فيه ، وترك الناس يعملون ، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. يبلوهم لا للعلم فهو يعلم. ولكن يبلوهم ليظهر المكنون من أفعالهم ، فيتلقوا جزاءهم عليها كما اقتضت إرادة الله وعدله.
ومن ثم يبدو التكذيب بالبعث والحساب والجزاء عجيباً غريباً في هذا الجو. بعدما يذكر أن الإبتلاء مرتبط بتكوين السماوات والأرض. أصيل في نظام الكون وسنن الوجود.
ويبدو المكذبون به غير معقولين وغير مدركين للحقائق الكبيرة في تكوين هذا الوجود ، وهم يعجبون لهذه الحقائق وبها يفاجأون:
{ولئن قلت: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين} ..
فما أعجبها قولة ، وما أغربها ، وما أكذبها في ظل هذا البيان الذي تقدمها!
شأنهم في التكذيب بالبعث ، وجهلهم بارتباطه بناموس الكون ، هو شأنهم في مسألة العذاب الدنيوي ، فهم يستعجلونه ويتساءلون عن سبب تأخيره ، إذا ما اقتضت الحكمة الأزلية أن يتأخر عنهم فترة من الوقت:
{ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن: ما يحبسه؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} .