والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجاً أولياً، فإنه عز وعلا لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآن مُنزل بعلم الله وبأن لا قدرة لغيره على شيء أصلاً، وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله عن المعارضة، وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً، اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شئونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة ممن نيلهم الحظوظ العاجلة واستيلائهم على المطالب الدنيوية، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه، ولقد بينَّ ذلك أي بيان.
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
ثم بيَّن سبحانه أن بين من كان طالباً للدنيا فقط ومن كان طالباً للآخرة تفاوتاً وتبايناً بعيداً فقال: (أفمن كان على بيّنة) برهان يدل على الحق (من ربه) في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان بالله كغيره، ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، أي أفمن كان معه بيان من الله ومعجزة كالقرآن ومعه شاهد كجبريل، وقد بشرت به الكتب السابقة كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها.