قال الواحدي: الفاء في قوله تعالى: {فَلْيَفْرَحُوا} زائدة، كقول الشاعر:
فَإِذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِيْ
فالفاء في قوله: فاجزعي زائدة. وقيل: الفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء .. فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما. والفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب والمشتهي، يقال: فرحت بكذا، إذا أدركت المأمول، ولذلك أكثر ما يستعمل الفرح في اللذات البدنية الدنيوية، واستعمل هنا، فيما يرغب فيه من الخيرات.
ومعنى الآية: ليفرح المؤمنون بفضل الله وبرحمته؛ أي: بما آتاهم الله من المواعظ وشفاء الصدور وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس إليه، ذكره الخازن.
أي: قل لهم ليفرحوا بفضل الله وبرحمته؛ أي: إن كان شيء في الدنيا يستحق أن يفرح به .. فهو فضل الله ورحمته. روى ابن مردويه وأبو الشيخ، عن أنس مرفوعًا:"فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله". وعن الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد: فضل الله الإيمان ورحمته القرآن.
{هُوَ} ؛ أي: المذكور من فضل الله ورحمته {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} من الدنيا؛ لأن الآخرة أبقى؛ أي: أن الفرح بهما أفضل وأنفع من الفرح بما يجمعونه من الذهب والفضة والأنعام والحرث والخيل المسومة وسائر خيرات الدنيا؛ لأنه هو سبب السعادة في الدارين، وتلك سبب السعادة في الدنيا الزائلة فحسب، فقد نال المسلمون في العصور الأولى بسببه الملك الواسع، والمال الكثير، مع الصلاح والإصلاح مما لم يتسن لغيرهم من قبل، ولا من بعد. وبعد أن جعلوا ديدنهم جمع المال ومتاع الدنيا، ووجهوا همتهم إليه وتركوا هداية القرآن في إنفاقه والشكر عليه، ذهبت دنياهم من أيديهم إلى أيدي أعدائهم.
فَإِنْ قُلْتَ: الأمر بالفرح في قوله: {فَلْيَفْرَحُوا} ينافي النهي عنه في قوله: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} ؟