(ولكن) كان هذا القرآن، ووقعت لكن هنا أحسن موقع إذ هي بين نقيضين وهما الكذب والصدق المضمن للتصديق، وفيه أوجه (أحدها) العطف على خبر كان (الثاني) أنه خبر لكان مضمرة وتقدم تقديره وإليه ذهب الكسائي والفراء وابن سعدان والزجاج وهذا كالذي قبله في المعنى (الثالث) تقديره وما كان هذا القرآن أن يفترى ولكن أنزل للتصديق (والرابع) تقديره ولكن يصدق الذي، قاله السمين.
(تصديق الذي بين يديه) أي أمامه من الكتب الإلهية المنزلة على
الأنبياء قبله، أي أنها قد بشرت به قبل نزوله فجاء مصدقاً لها، ونفس هذا
التصديق معجزة مستقلة، لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه ولا اتصل بمن له علم بذلك، وقيل المعنى ولكن تصديق النبي الذي بين يدي القرآن وهو محمد (- صلى الله عليه وسلم -) لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن.
(وتفصيل الكتاب) التفصيل التبيين، أي بين ما في كتب الله المتقدمة، والألف واللام في الكتاب للجنس، وقيل أراد ما بين في القرآن من الأحكام فيكون المراد بالكتاب القرآن وقيل اللوح المحفوظ (لا ريب فيه) الضمير عائد إلى القرآن وهو داخل في حكم الاستدراك وهو خبر ثالث أو حال من الكتاب أي منتفياً عنه الريب أو مستأنف أو معترض بين تصديق وبين (من رب العالمين) أي كائن منه خبر رابع أو حال ثانية أو متعلق بتصديق أو بتفصيل أو التقدير أنزل للتصديق من رب العالمين.
(أم يقولون افتراه) الاستفهام للإنكار عليهم مع تقرير ثبوت الحجة وأم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أيقولون افتراه واختلقه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو أي ويقولون، وقيل الميم زائدة أي أيقولون والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار والاستبعاد، أي هذا القول منهم في غاية البعد والشناعة، وقيل التقدير أيقرون به أم يقولون.