هذه الآية تسلية من الله ، جلَّ ذكره ، لنبيه عن جماعة من كفر به من قومه.
وقيل: المعنى: ومنهم من يقبل عليك بالاستماع ، والنظر ، وهو كالأصم ، والأعمى من بغضه لك يا محمد ، وكراهيته لما يراه من آياتك ، فهو كالأصم ، والأعمى ، إذ لا ينتفع بما يرى ، ولا بما يسمع كما قال: {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت} [الأحزاب: 19] .
ثم قال تعالى ذكره: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً} : أيك لا يبخسهم حقهم ، فيعاقبهم بغير كفر {ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
وقال الفراء: إذا كانت"لكن"لا وَاوَ معها أشبهت"بل".
فتؤثر العرب تخفيفها ، ليكون ما بعدها بمنزلة"ما"بعد"بل"من الابتداء والخبر إذا كانت مثل"بل"، وإذا كانت معها الواو ، وخالفت بل ، فتؤثر العرب التشديد لينصبوا ما بعدها ، فيخالفوا به ما بعد بل ، كما خالفت هي بل . والناس يظلمون أنفسهم باكتسابهم الخطايا التي توجب العقاب على أنفسهم.
والمعنى: أن الله جلَّ ذكره ، لم يهمل الناس ، بل أرسلهم إليهم الرسل ، وأنزل عليهم الكتب ، واتخذ عليهم الحجة بالعقل ، والسمع ، والبصر . ثم جازاهم بأعمالهم بعد أن أمرهم ، ونهاهم ، فأكرم الطَّائِعَ ، وأهان العَاصِيَ ، وهذا هو العدل الظاهر البيّن.
قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار} إلى قوله {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}
المعنى: ويوم نحشر هؤلاء المشركين ، كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم ، ثم انقطعت المعرفة . الآن وقد خسروا أنفسهم بتكذيبهم بآيات الله عز وجل ولقائه سبحانه .
{وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} : أي: موفقين للهدي.
وقيل: معنى {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي: يعرف بعضهم بعضاً بالإضلال والفساد ، والجحود . وذلك أشد لتوبيخهم.