إن اللَّه تعالى لَا يظلم الناس فما كان ليعاقب إلا بعد أن يبين الحق ويدعو إلى الرشاد، وينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، ولذلك كان لكل أمة رسول كما قال سبحانه: (. . . وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير) .
وقد اتجه المفسرون في قوله تعالى لكل أمة رسول اتجاهين:
الاتجاه الأول - أن ذلك يوم القيامة حيث يجيء كل رسول يشهد لأمته بما كسبت ويشهد عليها بما اكتسبت فيقضى بينهم بالقسط، أي بالعدل الموزون بميزان الحق وهم لَا يظلمون، أي أن القضاء يكون الإنصاف فلا ظلم قط.
والاتجاه الثاني - أن هذا نظام اللَّه تعالى الذي سنه في الدنيا يرسل لكل أمة رسولا، ونكَّر كلمة
(رَّسُولٌ) فلم يأت به معرفة لتعدد الرسالات وتنوعها،
فمنهْم من جاء لتربية القوة والعزة كما هي شريعة التوراة التي نزلت على موسى، ومنهم من جاء لتربية الروح والنفس كما هي شريعة عيسى لبني إسرائيل الذين غلظت أكبادهم.
وقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ) أي جاء في وسطهم يدعوهم إلى سواء السبيل، كان من أجاب منهم له ثوابه ومن أعرِض ونأى بجانبه حق عليه عقابه، وهذا معنى قوله تعالى: (قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) .
ونرى أنه لَا تعارض بين الاتجاهين، ويمكن الجمع بينهما، فيكون الرسول داعيا في الدنيا، ويكون في إجابته المهتدي والضال، ثم يكون يوم القيامة شاهدا على الفريقين، واللَّه أعلم.
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(48)
وإن المشركين في إنكارهم للبعث يستعجلونه إن الأساس في رد دعوات النبيين إلى الرسالة الإلهية وهو إنكارهم البعث والنشور وكفرهِم بما يغيب عنهم، ولذا يكون استغرابهم من دعوة الرسل وإجابتهم واحدة (مَتي هَذَا الْوَعْدُ) والخطاب في هذه الآية للرسل، والقائلون هم المشركون، فالضمير في كلمة (يَقولُونَ) للمشركين لأنهم الذين يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم -.