هذا جواب لقولهم: متى هذا الوعد، وهذا استعجال منهم للعذاب، فقيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أي أعلمتم، والرؤية هاهنا من رؤية القلب لا من رؤية العين، {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} أي عذاب الله {بَيَاتًا} ، قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل، وهو منصوب على الوقت، {أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} يجوز أن يكون (ماذا) اسمان، فيكون (ما) استفهامًا، و (ذا) بمعنى (الذي) ، ويكون المعنى ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ كقولك: أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون؟ أي يستعجله؛ فـ (ما) على هذا في موضع رفع، و (ذا) بمعنى (الذي) خبره، والعائد إن صلته إليه الهاء المقدر في (يستعجل) ، فإن جعلت (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا كان في موضع نصب كأنه في التمثيل: أي شيء يستعجل المجرمون من العذاب أو من الله؟ هذا كلام أبي علي الفارسي في شرح كلام أبي إسحاق، وذكر أبو إسحاق أن (ما) في موضع رفع من جهتين، وأنكر أبو علي أن تكون في موضع رفع إلا من جهة واحدة، وهي ما ذكرنا من الابتداء، وذكر الكلام عليه في"المسائل المصلحة". قال أبو إسحاق: والأجود أن تكون الهاء في (منه) تعود على العذاب.
وأما معنى هذا الاستفهام فقال ابن الأنباري وصاحب النظم: معناه: التهويل والتحذير والتفظيع، أي: ما أعظم ملتمسهم، وأشد وقوع الذي يبغون، ونزوله بهم، وهذا كقولك لمن هو في أمر تستوخم عاقبته: ماذا
تجني على نفسك؟، وكقول الشاعر:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب
فهذا الاستفهام معناه التعظيم لشأن من ذكر، والتهويل منه.
وقال بعض أصحاب المعاني: تقدير الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أي أعلمتم؛ لأن هذا من رؤية القلب فيكون معناه العلم، ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم بياتًا أو نهارًا؟ أي: أعلمتم أي شيء استعجلوه إن أتاكم، يعني في العظم والفظاعة، وهذا على التقديم والتأخير.