ويجوز أن يراد بالضمير في {بينهم} الأمة على تقدير أنه كذبه بعضهم ، وصدقه البعض الآخر ، فيهلك المكذبون ، وينجو المصدقون {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} في ذلك القضاء ، فلا يعذبون بغير ذنب ، ولا يؤاخذون بغير حجة ، ومنه قوله تعالى: {وَجِئ بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} [الزمر: 69] وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء: 41] .
والمراد المبالغة في إظهار العدل ، والنصفة بين العباد ، ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار ، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا {يَقُولُونَ متى هذا الوعد} والاستفهام منهم للإنكار ، والاستبعاد ، وللقدح في النبوّة {إِن كُنتُمْ صادقين} خطاباً منهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، وللمؤمنين ، وجواب الشرط محذوف يدلّ عليه ما قبله ، ويحتمل أن يراد بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم الذين أرسلهم الله إليهم.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم مادّة الشبهة ويقطع اللجاج فقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا} أي: لا أقدر على جلب نفع لها ، ولا دفع ضرّ عنها ، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري ، وقدّم الضرّ ، لأن السياق لإظهار العجز عن حضور الوعد الذي استعجلوه واستبعدوه ، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَا شَاء الله} منقطع كما ذكره أئمة التفسير ، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كان ، فكيف أقدر على أن أملك لنفسي ضراً أو نفعاً ، وفي هذه أعظم واعظ ، وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه ، وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه.