{فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} ما هو البخل؟ هناك في اللغة أسماء للامتناع عن العطاء ، فهناك بُخْل ، وشُح ، وكزازة ، وكلها أسماء للامتناع عن عطاء شيء ، لكن منازل العطاء والبخل تختلف ؛ بمعنى أن هناك إنساناً لا يعطي إلا من سأله ؛ تلك منزلة ، وإنساناً آخر لا يعطي كل من سأله ، بل يعطي من سأله بأسباب تثير عواطفه نحوه ، كأن يقول: ولدي مريض ، أو احترق بيتي ، فالسائل هنا لا يسأل فقط ، ولكنه يجيء بعلة السؤال مثيرة للعواطف . وهناك من يعطي بغير سؤال .
هي إذن: ثلاث مراحل للعطاء ؛ واحد يعطي من يراه هكذا ؛ مظنة أن حالته رقيقة من غير أن يسأل ، وهذه منزلة من منازل القرب من الله ، ينير الله بها بصائر قوم لتكون يدهم هي يد الله عند خلق الله . بل إن هناك أناساً يعاتبون أنفسهم إذا جاء إنسان فسألهم صدقة أو معونة ؛ كالرجل الذي ذهب فطرق الباب ، فخرج إليه صاحب البيت فسأله عما يريد ، فطلب السائل منه مالاً فدخل صاحب البيت بيته وأخذ شيئاً من مال وأعطاه للسائل ، فعلمت امرأته أنه جاء يسأله مالاً فأعطاه ، ولكن الزوج الذي أعطى مالاً رجع يبكي .
فقالت له: وما يبكيك وقد أجبْتَهُ إلى مطلبه؟ فقال: يبكيني أنني تركته ليسألني ، أي: أنه يبكي لأنه لم يملك فِطْنَةً تجعله يستشفُّ مسائل الناس من حوله ليعطي المحتاجين بغير سؤال .
إذن: فواحد يعطي عن مسألة ؛ تلك مرتبة ، وهناك من يعطي من غير مسألة ، بل يعطي عن فضل عنده ، أي: يملك الكثير ويعطي منه . وثالث: يعطي نصف ما عنده ؛ يقاسمه فيما يملك ، أو يعطي أكثر ما عنده حسب ما ينقدح في ذهنه من حاجة الإنسان المعطي .
هي إذن ثلاث مراحل: رجل يعطي من غير سؤال ، ورجل يعطي بسؤال فيه أسباب مثيرة ومُهيِّجة للعاطفة ، ورجل يعطي بمجرد السؤال .
فمن هو البخيل؟