فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقضي عليه القضاء، وأنزلت هذه الآية: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} .
وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ناس من أقارب ثعلبة، فذهبوا إليه فأخبروه بما أنزل الله فيه، فجاء بصدقة ماله، فقال: يا رسول الله، اقبلها مني، فقال: «إن الله منعني أن أقبلها منك» .
فجعل على رأسه التراب وجعل يقول: يا رسول الله اقبلها مني: فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن يقبلها منه، حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أتى أبا بكر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فقال: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله، قد علمت موضعي من الأنصار، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قد عتب علي في شيء فاقبل مني صدقة مالي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ما قبلها منك وأنا أقبلها منك.
فتوفي أبو بكر ولم يقبلها منه.
فاستخلف عمر رضي الله عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبل منك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ولا أبو بكر رضي الله عنه فأنا أقبلها منك، ثم توفي عمر رضي الله عنه ولم يقبلها.
واستخلف عثمان رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ولا أبو بكر ولا عمر، فأنا أقبلها منك، فأبى أن يقبلها، فرجع، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين.
فإن قال قائل: ما وجه الامتناع من قبول صدقته بعدما جاء بها وأظهر التوبة، وجعل على رأسه التراب؟
قيل: إن الكتاب قد نطق بأنه لما منع عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أعقبه الله نفاقاً في قلبه.
فيحتمل - والله أعلم - أنه إنما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - خيفة أن يبدأه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالعقوبة، وينفذ إليه من يأخذ صدقة ماله قهراً.