وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ أَعْمَالَهُمْ إِمَّا دِينِيَّةٌ وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ: فَالدِّينِيَّةُ تَحْبَطُ كُلُّهَا فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ شَرْطَ قَبُولِهَا الْإِيمَانُ وَالْإِخْلَاصُ ، وَتَحْبَطُ فِي الدُّنْيَا إِذَا ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ ، وَافْتَضَحَ أَمْرُهُمْ ، وَلِحُبُوطِهَا مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ: أَنَّهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِمْ ، وَتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ . وَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَهِيَ قِسْمَانِ: (1) تَمَتُّعٌ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالْقُوَّةِ . (2) كَيْدٌ وَمَكْرٌ وَنِفَاقٌ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى حُبُوطِهِمَا آنِفًا بِمَا يَطَّرِدُ فِي أَزْمِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمَا يُشْبِهُهَا كَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ . وَأَمَّا أَعْمَالُ النِّفَاقِ الدُّنْيَوِيَّةُ فِي أَيَّامِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الظَّالِمِينَ الْفَاسِقِينَ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ أَكْثَرَ رَوَاجًا وَنِتَاجًا مِنْ أَعْمَالِ الصَّادِقِينَ الْمُخْلِصِينَ . وَلَا دَلِيلَ عَلَى فَسَادِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ أَدُلُّ مِنْ تَقْرِيبِهِمْ لِلْمُنَافِقِينَ الْمُتَمَلِّقِينَ مِنْهُمْ ، وَإِبْعَادِهِمْ لِلنَّاصِحِينَ الصَّادِقِينَ عَنْهُمْ . قَالَ الصَّادِقُ الْأَمِينُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .