وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - «إن عبدى كل عبدى الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» أي: لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائي واستعانتى.
وعن قتادة في هذه الآية: «افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون. الضرب بالسيوف» .
ثم قال: «وقد كان للصحابة - رضي الله عنهم - في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم، فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا، في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس ... قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب» .
وبعد هذه التوجيهات السامية التي رسمت للمؤمنين طريق النصر، نهاهم - سبحانه - عن التشبه بالكافرين الذين صدهم الشيطان عن السبيل الحق، فقال تعالى:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 47 إلى 49]
(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(47)
قال الفخر الرازي عند تفسيره لقوله - تعالى - وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا ....
المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير. خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف، فلما وردوا الجحفة، بعث خفاف الكناني - وكان صديقا لأبى جهل - بهدايا إليه مع ابن له، فلما أتاه قال: إن أبى ينعمك صباحا ويقول لك: إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معى من قرابتي فعلت.
فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا. إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فو الله ما لنا بالله طاقة. وإن كنا إنما نقاتل الناس، فو الله إن بنا على الناس لقوة.
والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور، وتعزف فيها القيان، فإن بدرا موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم. وحتى تسمع العرب - بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد - .