لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد. وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره. قال الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدرى السكون متى يكون.
والمعنى: كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أي الضعف، وإلى ذهاب دولتكم، وهوان كلمتكم، وظهور عدوكم عليكم.
وَاصْبِرُوا على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهوائكم التي تحملكم على التنازع، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بتأييده ومعونته ونصره.
هذا والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للمؤمنين في كل زمان ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر.
إنهما يأمران بالثبات، والثبات من أعظم وسائل النجاح، لأنه يعني ترك اليأس والتراجع وأقرب الفريقين إلى النصر أكثرهما ثباتا.
ويأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان بخالقه الذي بيده كل شيء ، ومتى حسنت صلة الإنسان بخالقه، صغرت في عينه قوة أعدائه مهما كبرت.
ويأمران بطاعة الله ورسوله، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية، وبنفوس صافية ... لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل، وذهاب القوة .. ويأمران بالصبر، أي بتوطين النفس على ما يرضى الله، واحتمال المكاره والمشاق في جلد. وهذه
الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته.
ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين: «هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء» .
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قام وقال: اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم».