إن المؤمنين المغترين بدينهم قد أحسوا بكثرتهم رغم أن عددهم قليل . فأقبلوا على الحرب بالرؤيا التي أراها الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن عدد الكفار قليل ، وبوعد الله لهم بالنصر ، أو غرهم بأن أوضح لهم أنَّ الذي يموت مقتولاً في هذه الحرب يصير شهيداً وتكتب له حياة خالدة ، وقد جعل ذلك القوي منهم والضعيف يقاتلان بقوة ؛ لأن الشهيد سيذهب إلى الجنة . وهكذا - في رأي المنافقين - اغتر المؤمنون بدينهم .
ويرد الله عز وجل عليهم بقوله تعالى:
{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] .
هذا هو الرد عليهم في أن المؤمنين لم يغرهم دينهم ، بل إنهم متوكلون على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه ، وسبحانه عزيز لا يغلب ، وحكيم يضع الهزيمة في موضعها والنصر في موضعه .
إذن فالمسألة أن هؤلاء المؤمنين قد اختاروا الله فأعزهم ونصرهم .
ولكن هل قيلت هذه العبارة من المنافقين علناً؟ . لا ، إنهم لم يجرءوا أن يعلنوها بل قالوها سّراً في أنفسهم ، فأعلم الله سبحانه وتعالى رسوله بما حدث في نفوسهم ، وكانت هذه لفتة من الله سبحانه وتعالى بأن فضح حقيقتهم لعلهم ساعة يسمعون ما يدور في نفوسهم ؛ قد يتركون نفاقهم ويعودون إلى حظيرة الإيمان الصحيح ، خصوصاً إذا انتبهوا إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] .