وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا يَتَمَانَعُهُ النَّاسُ مِنْ نَحْوِ النَّوَاةِ وَالتَّبِنَةِ وَالْخِرَقِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُنَفِّلَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ وَقَالَ: {لَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا} يَعْنِي فِي أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَوْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ دُونَ جَمَاعَتِهِمْ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ لِتِلْكَ الْوَبَرَةِ قِيمَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ {: لَا يَحِلُّ لِي مِثْلُ هَذَا} قِيلَ لَهُ: إنَّمَا أَرَادَ: مِثْلُ هَذَا فِيمَا يَتَمَانَعُهُ النَّاسُ لَا ذَاكَ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهُ.
وَيَدُلُّ
عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلْقِينَ ذَكَرَ قِصَّةً قَالَ: {قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْمَالِ؟ قَالَ: خُمُسُهُ لِلَّهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْجَيْشِ قَالَ: قُلْت: هَلْ أَحَقُّ أَحَدٍ بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَوْ انْتَزَعْت سَهْمَك مِنْ جَنْبِك لَمْ تَكُنْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيك الْمُسْلِمِ} وَرَوَى أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ وَهْبٍ أَبِي خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ أَبِيهَا الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً فَقَالَ: مَا لِي فِيكُمْ هَذِهِ مَا لِي فِيهِ إلَّا الْخُمُسُ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ فَإِنَّهُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.