31 -ولما قص الله سبحانه وتعالى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وسلّم .. قص علينا مكرهم في دين محمد صلى الله عليه وسلّم فقال: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ} ؛ أي: وإذا قرأت على هؤلاء الذين كفروا {آياتُنا} القرآنية الواضحة، لمن شرح الله صدره لفهمها {قالُوا} جهلا منهم، وعنادا للحق، وهم يعلمون أنهم كاذبون {قَدْ سَمِعْنا} ما قال محمد صلى الله عليه وسلّم من الآيات، أو قد سمعنا مثل ما قال محمد من التوراة والإنجيل، وقد تنازع هذا العامل مع قوله: {لَقُلْنا} في قوله: مثل هذا {لَوْ نَشاءُ} القول {لَقُلْنا مِثْلَ هذا} الذي تلي علينا محمد صلى الله عليه وسلّم {إِنْ هذا} ؛ أي: ما هذا القرآن الذي تلاه محمد صلى الله عليه وسلّم علينا {إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ؛ أي: إلا أكاذيب الأولين، وأخبار الماضين، من القرون الخالية أي ما سطروه وكتبوه من القصص والأخبار.
والمعنى: ما هذا القرآن إلا ما كتب الأولون من القصص؛ أي: إنّ أخبار القرآن عن الرسل، وأقوامهم تشبه قصص أولئك الأمم، فهم يستطيعون أن يأتوا بمثلها، فما هي من خبر الغيب الدال على أنه وحي من الله، وقد كان النضر بن الحارث أول من قال هذه الكلمة، فقلده فيها غيره، لأنه كان يأتي الحيرة - بكسر الحاء بلدة بقرب الكوفة - يتجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم، ويحدث بها أهل مكة، ولكنهم لم يكونوا يعتقدون أنها أساطير مختلقة، وأن محمدا هو الذي افتراها، إذ لم يكونوا يتهمونه بالكذب، كما قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} لأنهم يعلمون أنه أمي لم يتعلم شيئا، بل قالوا ذلك ليصدوا العرب عن القرآن، وقد كان زعماء قريش كالنضر بن الحارث، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، يتواصون بالإعراض عن سماع القرآن، ويمنعون الناس عنه خوفا من استمالة الناس إليه، لما رأوا من شدة تأثيره وسلطانه على القلوب، حتى قال الوليد بن المغيرة: كلمته المشهورة: إنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه يحطم ما تحته.