ونرى موقف أم سلمة رضي الله عنها وهي الزوجة الأمينة المشيرة الناصحة ، لقد قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون ، لقد جاءوا وفي نيتهم أن يذهبوا إلى البيت الحرام بعد طول فرقة واشتياق ، ثم حُرموا من ذلك وهم بمرأى من البيت ، ولكن قم يا رسول الله فاعمد إلى ما أمرك الله به ، ولا تقل لهم شيئاً ، بل اذبح هديك ، وهم إذا رأوك فعلت فَعَلوا .
وبالفعل خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وذبح الهدي ، وفعل المسلمون مثله . ونجد سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - يقول عن الحديبية: هي الفتح في الإسلام . وما كان فتح الحديبية ، ولكن الناس لم تتسع ظنونهم إلى السر من الله . والعباد دائماً يعجلون ، والله لا يعجل بعجلة عباده حتى تبلغ الأمور ما يراد لها .
وقد كان المخالفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيورين على دينهم ، على قدر علمهم لا علم الله . وشاء الحق تبارك وتعالى أن يبين لهم السبب في أنه لم يجعل من الحديبية أرض قتال أو التحام ؛ فقال: {هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 25] .
نعم فقد كان هناك مؤمنون ومؤمنات يختفون بين الكفار ، فلم يكن في مكة قبل الفتح - حيّ للمسلمين الذين يخفون إيمانهم ، وحيّ للكفار ، بل كان الناس يسكنون معاً ، فإذا ما قامت الحرب بين أهل مكة وبين الجيش القادم إلى الحديبية ، لقتل المسلم أخاه المسلم الذي لم يعلن إسلامه ، ولو أمكن التفريق بين المسلمين الذين لم يعلنوا إسلامهم وبين الكفار ، لعذب الله الكفار بأيدي المؤمنين عذاباً أليماً .