قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَنْفَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَفِّلُ مَنْ شَاءَ، فَنَفَّلَ الْقَاتِلَ السَّلَبَ، وَجَعَلَ لِلْجَيْشِ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَنَفَّلَ قَوْمًا بَعْدَ سُهْمَانِهِمْ بَعِيرًا بَعِيرًا فِي بَعْضِ الْمَغَازِي. فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ حُكْمَ الْأَنْفَالِ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَفِّلُ عَلَى مَا يَرَى مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا مَنْسُوخٌ لِاحْتِمَالِهَا مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْكُمَ بِحُكْمٍ قَدْ نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، فَقَدْ دَلَلْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِنَا عَلَى أَنْ لَا مَنْسُوخَ إِلَّا مَا أَبْطَلَ حُكْمَهُ حَادِثٌ حَكَمَ بِخِلَافِهِ يَنْفِيهِ مِنْ كُلِّ مَعَانِيهِ، أَوْ يَأْتِي خَبَرٌ يُوجِبُ الْحُجَّةَ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ الْآخَرَ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ التَّنْفِيلَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْوِيلًا مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْأَئِمَّةِ أَنْ يَتَأَسَّوْا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَغَازِيهِمْ بِفِعْلِهِ، فَيُنَفِّلُوا عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ يُنَفَّلُ، إِذَا كَانَ التَّنْفِيلُ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَخَافُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَاتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَأَصْلِحُوا الْحَالَ بَيْنَكُمْ.