قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال في الاستمتاع ولو تتبع لبينت له وجوه أخر كلها دنياوية، وبلوغ الأجل المؤجل قال السدي هو الموت الذي انتهى الكل منهم إليه، وقيل هو الحشر، وقيل هو الغاية التي انتهى جميعهم إليها من الاستمتاع، كأنهم أشاروا إلى أن ذلك بقدرك وقضائك إذ لكل كتاب أجل، وقرأ الحسن"وبلِّغنا أجلنا"بكسر اللام مشددة، وقوله تعالى: {قال النار مثواكم} الآية، إخبارٌ من الله عز وجل عما يقول لهم يوم القيامة إثر كلامهم المتقدم، وجاء الفعل بلفظ الماضي وهو في الحقيقة مستقبل لصحة وقوعه، وهذا كثير من القرآن وفصيح الكلام و {مثواكم} أي موضع ثوابكم كمقامكم الذي هو موضع الإقامة، هذا قول الزجّاج وغيره، قال أبو علي في الإغفال: المثوى عندي مصدر لا موضع وذلك لعمله في الحال التي هي {خالدين} والموضع ليس فيه معنى فعل فيكون عاملاً، والتقدير النار ذات ثوابكم.
والاستثناء في قوله {إلا ما شاء الله} قالت فرقة {ما} بمعنى مَن، فالمراد إلا من شاء ممن آمن في الدنيا بعد أن آمن من هؤلاء الكفرة.
قال القاضي أبو محمد: ولما كان هؤلاء صنفاً ساغت في العبارة عنهم {ما} ، وقال الفراء {إلا} بمعنى سوى، والمراد سوى ما يشاء من زيادة في العذاب، ونحا إليه الزجّاج، وقال الطبري: إن المستثنى هي المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار.
قال القاضي أبو محمد: وساغ هذا من حيث العبارة بقوله {النار مثواكم} لا تخص بصيغتها مستقبل الزمان دون غيره، وقال الطبري عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء أنه مبلغ حال هؤلاء في علم الله ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا ناراً.
قال القاضي أبو محمد: والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار ولا يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه.
قال القاضي أبو محمد: ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وليس مما يقال يوم القيامة، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله كأنه لما أخبرهم أنه قال للكفار: {النار مثواكم} استثنى لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يؤمئذ كافراً، وتقع {ما} على صفة من يعقل، ويؤيد هذا التأويل اتصال قوله {إن ربك حكيم عليم} أي بمن يمكن أن يؤمن منهم، و {حكيم عليم} صفتان مناسبتان لهذه الآية، لأن تخلد هؤلاء الكفرة في النار فعل صادر عن حكم وعلم بمواقع الأشياء. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}