ويجوز أن يستدل بهذا على تأييد مذهب أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: إن من قطع يد آخر بقصاص فمات في ذلك أخذ بالدية، وإذا قطع اليد بحدٍّ لزمه فمات، لم يؤخذ بها؛ لأنه أبيح له قطع يده، والقصاص لم يفرض عليه، وفي الحدّ، تلزم إقامة الحد لله، فإذا كان قيامه بفعل أبيح له الفعل، ينهى عما يتولد منه، ويؤخذ به، وإذا كان قيامه بفعل فرض عليه، لم يؤخذ بما تولد منه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الأمر بالختان إذا تولد من ذلك الموت؛ لأنه أمر بإقامة السنة، وكذلك الأمر بالحجامة؛ لأنه يفرض عليه الحجامة في حال إذا خاف عليه الهلاك؛ إذا لم يحتجم، وأما الأمر بالدق وغيره مما يشاكله: فهو - أمر إباحة، لا أمر إلزام؛ لذلك ضمن ما تولد منه؛ فعلي ذلك السب الذي يسب آلهتهم إذا حملهم ذلك على سب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وسب رسوله لا يسبون، وإن كانوا مستحقين لذلك؛ لأنه قد ينهى الرجل أن يعوِّد نفسه السب؛ فعلى ذلك يجوز أن ينهوا عن سب آلهتهم؛ مخافة الاعتياد لذلك نهوا عن سبّ آلهتهم.
ثم ذكر في القصة أن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا يسبون آلهتهم فيسبون اللَّه؛ عدوا بغير علم، وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذكر آلهتهم بسوء؛ فقالوا: لتنتهينَّ عن ذلك أو لنهجونَّ ربك.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وذلك حين قال لهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) الآية، فقالوا عند ذلك ما قالوا؛ فنزل: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ) ، ولكن لا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) .
قال الكيساني وأَبُو عَوْسَجَةَ: (عَدْوًا) ؛ من الاعتداء، وهو مجاوزة الحد.