أي: لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم، أو لا تسأل أنت عن صنيعهم؛ إنما عليك التبليغ، وهو كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) وكقوله - تعالى -: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ، ونحوه.
وقيل: الحفيظ والوكيل واحد، وقيل: الوكيل هو الكفيل، وقد ذكرناه في غير موضع فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ...(108)
نهانا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عن سبِّ من يستحق السبَّ؛ مخافة سبِّ من لا يستحق السبَّ.
فَإِنْ قِيلَ: كيف نهانا عن سبِّ من يستحق السبَّ؛ مخافة سبِّ من لا يستحق، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا، وقتل المؤمن بغير حق من المناكير، وكذلك أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بتبليغ الرسالة والتلاوة عليهم، وإن كانوا يستقبلونه بالتكذيب؟!
قيل: إن السبَّ لأُولَئِكَ مباح غير مفروض، والقتال معهم فرض، وكذلك التبليغ فرض يبلغ إليهم، وإن كانوا ينكرون ما يبلغهم، وكذلك القتال نقاتلهم، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسنا وأصله أن ما خرج الأمر به مخرج الإباحة فإنه ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان الأمر به أمر فرض ولزوم لا ينهى عن المتولد منه والحادث.