وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) .
أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض، في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة"حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وما قتل اللَّه فلا تأكلونه؟! يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن يجادلون في هذا في وحدانية اللَّه - تعالى - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد الموت، وفي كل شيء ؛ حيث قالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما يجادلونكم ويوحون إليكم (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ."
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) .
يشبه أن يكون المثل الذي ضرب اللَّه للمؤمن والكافر في الآية أن من كان في ظلمات البطن لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل شيئًا، ثم أخرج من ذلك؛ فأبصر وسمع وعقل كمن ترك في تلك الظلمات ولم يخرج منها لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، يقول - واللَّه أعلم -: لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعد ما كان لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر وسمع وعقل - والذي ترك في تلك الظلمات على الحال التي كان كما هو: لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل؛ فعلى ذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويسمع ويعقل كل خير ويعلمه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس بنوره، وله أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير - والكافر: الذي لا يبصر الخير ولا يسمع ولا يعقل، وليس له أصحاب يدعونه إلى الهدى والخيرات، أي: ليس هذا الذي يبصر ويسمع ويعقل كالذي لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل.