-والوجه الثاني: أن يكون"القُبُل"واحداً ، بمعنى المقابلة ، تقول:"أَتَيْتُكَ قِبَلاً لا دُبُرا": إذ أتيته من قِبَل وجهه ، فالمعنى وجمعنا عليهم كل شيء من قِبَل وُجوهِهم.
-والوجه الثالث: أن يكون (قُبُلاً) جمع"قبيل"أيضاً ، ويكون"قبيل"بمعنى: فِرْقة وصنف . فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء صنفاً صنفاً وقبيلة (قبيلة) ، فيكون (قبلاً) جمع"قبيل"و"قبيل"جمع"قبيلة". ومن قرأ (قِبَلاً) فمعناه: عياناً ، أي: معاينة .
وهذا (إعلام) للنبي كإعلام نوح: {أَنَّهُ (لَن يُؤْمِنَ) مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36] .
وقال المبرد: (قِبَلاً) بمعنى ناحية: أي: وجمعنا عليهم كل شيء ناحية ، كما تقول:"لي قِبَلَ فلانٍ مالٌ"، أي: ناحِيتَه ، فكان نصبه - على هذا - على الظرف ، وعلى الأقوال المتقدمة: على الحال.
قوله: {وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شياطين الإنس} الآية.
{عَدُوّاً} مفعول أول ل (جَعَلنْا) ، و {لِكُلِّ نِبِيٍّ} : المفعول الثاني ، و (شياطين) بدل من {عَدُوّاً} . ويجوز أن يكون (شياطينَ) مفعولاً ثانياً ، و (عَدُوّاً) أولا.
حكى سيبويه أنَّ ("جَعَلَ"بمعنى:"وَصَفَ") ، فَيَتَعدَّى إلى مفعولين ،
ويكون التقدير: وكذلك جعلَّنا شياطين الإنسِ والجنِّ أعداء للأنبياء.
{غُرُوراً} مصدر ، أي: يَغرُّون غُروراً . ويجوز أن يكون في موضع بالحال . ومعنى الآية: أنه فيها حذف ، والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمد - ولأمَّتِك شياطين الإِنِّسِ والجنِّ أعداء يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غروراً ، كذلك جعلنا لكل من تقدمك من الأنبياء وأممهم ، وهذا تسلِّية للنبي عليه السلام فيما لقي من (كفر) قومه.