ولعل هذا ما جعله يُغرق في الخيال، ويحلق بفكره في آفاق السماوات والأرض، ويعتسف الآيات القرآنية لتتوافق مع ما يريد إثباته.
ولقد زهد بعض من لهم اهتمام بالدراسات القرآنية بهذا التفسير العلمي للقرآن، ورأوا أن من الأسلم عدم الغوص في مثل هذا الجانب من التفسير، وإن كانوا لا يرون حرجاً في الاستشهاد بالحقائق العلمية الثابتة التي لا شبهة فيها، ولكنهم مع ذلك لا يحبذون الركون إلى مثل هذه الوسيلة، والانشغال بها عن مهمة التفسير الحقيقية. ومن هؤلاء الشيخ محمد شلتوت، وأمين الخولي.
وقد تابع هؤلاء في منحاهم هذا الشيخ محمد رشيد رضا، ومحمد حسين الذهبي.
وهناك علماء آخرون تأثروا طريقة الشيخ محمد عبده في موقفه من هذا التفسير، ولكنهم كانوا أشد منه حذراً، وأكثر تحفظاً، وأوسع تثبتاً، من هؤلاء الشيخ أحمد مصطفى المراغي الذي نعى على المفسرين السابقين حشوهم لقضايا علمية في تفاسيرهم أثبت العلم في هذا العصر عدم التعويل عليها، ثم أكد أن تفسيره الذي وضعه سيضم آراء الباحثين في مختلف الفنون التي ألمع إليها القرآن، فلا غضاضة عنده من استطلاع آراء العارفين بمثل هذه الفنون، لأن المفسر - في نظره - عليه دائماً أن يسأل العلم (( ليستبصر بما ثبت لديه، ويساير عصره ما وجد إلى ذلك سبيلاً ) ). على أنه يرفض جر الآية إلى العلوم لتفسيرها أو العكس، ولكن لا بأس في تفسيرها إذا اتفقت في ظاهرها مع حقيقة علمية ثابتة.
وكان محمد أحمد الغمراوي من المؤيدين لوجهة النظر هذه، ويُعد من أكثر الباحثين اعتدالاً وروية في هذا المضمار، ووضح ذلك جلياً في كتابيه (( في سنن الله الكونية ) )و (( الإسلام وعصر العلم ) ).