ويتجلى الانحياز التام لمثل هذا النوع من التفسير عند عبدالرحمن الكواكبي (ت 1320 هـ/1902 م) في كتابه (( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ) )الذي يصف فيه القرآن بأنه (( شمس العلوم وكنز الحكم ) )، ويعلل إحجام العلماء عن بيان ما يتضمنه القرآن من العلوم المختلفة - بالخوف من مخالفة رأي بعض السلف غير المتظلعين بالعلم، فينتج عن ذلك تكفيرهم ومن ثم قتلهم ثم راح يربط باندفاع بين الآيات القرآنية وبين ما ظهر في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي من علوم ونظريات علمية، والملاحظ أنه وقع في شطحات بينة في محاولاته التوفيقية هذه بين القرآن والعلم.
كما جنح الشيخ محمد عبده (ت 1323 هـ /1905 م) إلى التفسير العلمي مستضيئاً بمنهج أستاذه جمال الدين الأفغاني، إلا أنه دعا إلى التأدب مع كتاب الله، وعدم زج آياته الكريمة في نظريات لم تتحقق بعد.
فالقرآن (( أرفع من يعارض العلم ) )كما يقول، لكنه مع ذلك وقع في بعض ما حذر منه، وسوف نتطرق إلى بعضها فيما بعد.
ويميل مصطفى صادق الرافعي (ت 1356 هـ/ 1937 م) إلى هذا اللون من التفسير في كتابه (( إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ) )، وقد قال في معرض كلامه عن القرآن والعلم (( وقد استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يشير إلى مستحدثات الاختراع، وما يحقق غوامض العلوم الطبيعية ) )على أن أشد المتحمسين للتفسير العلمي للقرآن في العصر الحديث هو طنطاوي جوهري (ت 1359 هـ/ 1940 م) في كتابه الموسوم بـ (( الجواهر في تفسير القرآن الكريم ) )الذي نوه فيه بجدوى هذا التفسير، وتعجب من إعراض العلماء المسلمين عن تلك الآيات التي ترشد إلى علوم الكون على الرغم من كثرتها. ولم يسلم صغار الفقهاء - كما سماهم - من لومه وتهجمه، لأنهم انصرفوا - كما يرى - باشتغالهم في الآيات الخاصة بالفقه عن آيات العلوم الكثيرة الواردة في القرآن، ويقدم طنطاوي جوهري في تفسيره هذا أبحاثاً علمية مستفيضة بعد تفسير لفظي مقتضب. ولا تعدو هذه الأبحاث عن كونها حشد من الأفكار التي توصل إليها العلماء في مجال العلوم الحديثة حتى عصره.