و قد تقدمت الإشارة إليه في"آل عمران"، والإشكال هنا مجيء"مخرج"على خلاف ما جاء عليه أمثاله ، ولم يأت كما أتى في آل عمران:"وتخرج"، ولا كما جاء في"يونس"وكما جاء في"الروم". وعلى هذا يرد السؤال التالي: ما النكتة التي أوجبت مجيء هذا المكان على ما جاء عليه مخالفا لأمثاله؟ والجواب الذي يتضح به هذا الإشكال أن يقال: إنما جاء توخيا لحسن الجوار في النظم ، لأنه قال: فالق الحب والنوى ، وفالق الإصباح. والآية إنما سيقت للتمدّح بالقدرة المطلقة التي هي صفة ذاتية للّه تعالى ، فكان التمدّح بها مع الإتيان بصيغة اسم الفاعل أبلغ من الإتيان بصيغة الفعل ، لما يدل عليه اسم الفاعل من المضيّ المطلق الدالّ على القدم ، فإن مجيء ذلك على ما جاء عليه يستفاد منه قدم القدرة ، ويلزم من
قدمها قدم الموصوف بها. ولما علم سبحانه أن تمدّحه بمجرد فلق الحب والنوى في بطن الأرض غير تام ، لأنه لا ينتفع به حتى يخرج نباته إلى ظاهر الأرض ، ويشاهد الناس قدرة مخرجه ومخترعه ، وصار قوله:
"ومخرج الميت من الحي"مكملا ، وأتى في هذه الجملة باسم الفاعل ، وهذا من المعاجز التي تتقطّع دونها الأعناق.
3 -فن الاستعارة التمثيلية:
وذلك بقوله:"فالق الإصباح"، وخلاصتها أنه تعالى شبّه انشقاق عمود الفجر وانصداع الفجر بفلق الإصباح. وقد رمق الشعراء سماء هذه البلاغة ، فقال أبو تمام وتلاعب بهذا المعنى:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه وأول الغيث قطر ثم ينسكب
يقول: إن أوائل الأمور تبدو قليلة ، ثم تكثر ، فينبغي الحرص من أول الأمر قبل بلوغ غايته. وأتبعه ببيت آية في الحسن فقال:
ومثل ذلك وجد العاشقين هوى بالمزح يبدو وبالإدمان ينتهب
ومن النقاد من ينسب هذين البيتين إلى ابن الرومي ، يريد أن الوجد في أوله هوى وفي آخره نار.
4 -تشبيه الليل بالسكن: