كان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، كان جده مالك بن الهيثم من أكبر الدعاة إلى دولة بني العباس الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة، وكان أبوه نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث، وقد باعيه العامة في سنة 201 على القيام بالأمر والنهي حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد، وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، ويدعو إليه ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، اعتمادًا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون من غير دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان ولا سنة ولا قرآن.
فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها، فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتفت عليه من الألوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان، هما: أبو هارون السراج يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له: طالب، يدعو أهل الجانب الغربي، فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على
السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمرؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها، فتواعدوا على أنهم في الليلة