خطب المنصور يومًا فاعترضه رجل وهو يثني على الله -عز وجل-، فقال: يا أمير المؤمنين أذكر من أنت ذاكره، واتق الله فيما تأتيه وتذره، فسكت المنصور حتى انتهى كلام الرجل فقال: أعوذ بالله أن أكون ممن قال الله -عز وجل- فيه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] أو أن أكون جبارًا عصيًا، أيها الناس! إن الموعظة علينا نزلت، ومن عندنا نبتت.
ثم قال للرجل: ما أظنك في مقالتك هذه تريد وجه الله، وإنما أردت أن يقال عنك وعظ أمير المؤمنين، أيها الناس لا يغرنكم هذا فتفعلوا كفعله، ثم أمر به فاحتفظ به وعاد إلى خطبته فأكملها، ثم قال لمن هو عنده: أعرض عليه الدنيا فإن قبلها فأعلمني، وإن ردها فأعلمني، فمازال به الرجل الذي هو عنده حتى أخذ المال ومال إلى الدنيا فولاه الحسبة والمظالم، وأدخله على الخليفة في بزة حسنة، وثياب شارة وهيئة دنيوية، فقال له الخليفة: ويحك! لو كنت محقًا مريدًا وجه الله بما قلت على رؤوس الناس لما قبلت شيئًا مما أرى، ولكن أردت أن يقال عنك إنك وعظت أمير المؤمنين، وخرجت عليه، ثم أمر به فضربت عنقه.
حضر عند المنصور مبارك بن فضالة يومًا وقد أمر برجل أن يضرب عنقه وأحضر النطع والسيف، فقال له مبارك: سمعت الحسين يقول: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم من كان أجره على الله، فلا