* لما بنى عبد الرحمن الناصر مدينته الخالدة (الزهراء) في الأندلس، تفنن في بنائها، وجعلها من أعاجيب المدن في العالم، وكان مما بناه فيها (الصرح الممرد) اتخذ لقبته قراميد من ذهب وفضة، حتى أنفق عليها مالًا عظيمًا.
وكان في قرطبة عالمها الفقيه الجريء (منذر بن سعيد) قاضي الجماعة، فهاله انهماك الخليفة الناصر في بناء الزهراء، وما أنفقه من أموال الدولة
عليها.
وكان الناصر يحضر صلاة الجمعة في المسجد الجامع، ويستمع إلى خطبة قاضيه منذر بن سعيد، فوقف يخطب الجمعة، وكان مما بدأه في تقريع الناصر على إنفاقه الأموال وانهماكه في بناء الزهراء ... أن تلا قول الله تبارك وتعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 128 - 134] ، ثم وصل ذلك بقوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: 76] ثم أخذ يذم تشييد البنيان والإسراف في الإنفاق عليه، حتى خشع القوم وبكوا وضجوا، ثم التفت إلى الناصر وقال له: ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ بك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادتك هذا التمكين، مع ما آتاك الله وفضلك به على العالمين، حتى أنزلك منازل الكافرين! فاقشعر الناصر من قوله وقال: انظر ما تقول؟ كيف أنزلتني منازلهم؟ قال: نعم! أليس الله تبارك وتعالى يقول: