فقلت له: لي في حبسك سنة ما سأل أحد عني ولا يدري أنا حي أو ميت، وقد حبست عندي هذا البدوي وقطعت عليه خمسين دينارًا، اجعلها زيادة على قطيعتي ودعني أسيره إلى أبي حتى يفكني، قال: أفعل.
فرجعت عرفت البدوي وخرج ودعني ومضى.
فانتظرت ما يكون منه شهرين فما رأيت هل أثرًا ولا سمعت له خبرًا، فيئست منه.
فما راعني ليلة من الليالي إلا وهو خرج عليَّ من نقب في جانب الجب وقال: قم والله لي خمسة أشهر أحفر هذا السرب من قرية خربة حتى وصلت إليك فقمت معه وخرجنا من ذلك السرب وكسر قيدي وأوصلني إلى بيتي.
فما أدري مما أعجب؟! من حسن وفائه أو من هدايته حتى طلع نقبه من جانب الجب.
وإذا قضى الله سبحانه بالفرج فما أسهل أسبابه [1] .
* ذكر المؤرخ محمد راغب الطباخ - رحمه الله - أن الشيخ إبراهيم الهلالي الحلبي العالم الصالح الجليل، ذهب إلى الجامع الأزهر يطب العلم، وأثناء طلبه للعلم أملق وافتقر إلى النفقة، ومضى عليه أكثر من يوم وهو لا يجد ما يأكل، وجاع جوعًا شديدًا، فخرج من غرفته في الأزهر ليسأل اللقمة والطعام، فشاهد بابًا مفتوحًا، وشم منه رائحة الطعام الزكية.
فدخل الباب إلى المطبخ فلم يجد أحدًا، ووجد طعامًا شهيًّا، فأخذ
(1) كتاب الاعتبار للأمير أسامة بن منقذ ص 102.